عهد التحديات
مروان اسكندر
الرئيس الجديد سيكون حصيلة مخاض سياسي عاناه اللبنانيون كثيراً.
ولا شك في ان اختيار رئيس توافقي سوف يخفف حدة التنازع السياسي وإن الى حين، وكل رئيس لبناني تجاوز قطوع الاغتيال نعم بسنتين على الأقل من الترحيب والتعاون البناء.
لكن الرئيس هذه المرة يجبه بمشكلات اقتصادية تكاد تكون مستعصية الحل، ولا بد من تفحص بعض هذه المشكلات اذا كان لنا ان نواجه تحديات المستقبل القريب بصدق وتصميم.
ان برنامج الحكومة الحالية كان ولا يزال محاولة ضبط العجز وزيادة ما يسمى الفائض الأولي، أي تحقيق مداخيل جارية تفوق النفقات الجارية باستثناء خدمة الدين، ومن ثم السعي الى تحفيز النمو بحيث تسبق معدلاتها زيادة معدل ارتفاع الدين العام، وتالياً تبدأ نسبة حجم الدين العام الى الدخل القومي البالغة 190 في المئة بالانحسار وإن ببطء.
ان هذا التطلع لا يتجاوز حسابات طابعها محاسبي أكثر منه اقتصادياً، ومنهجية كهذه لن توفر الرخاء للبنان وإن بعد سنوات. فالمطلوب أكثر بكثير، وهو أصبح غاية في الصعوبة لأن لبنان يواجه تحديين على صعيد النفقات العامة وحساب ميزان المدفوعات. واذا نظرنا الى ابعاد كل من هذين التحديين نجد ان لبنان عاجز عن مواجهتهما ما لم تتبدل نظرة الحكومة الى معالجة الشأن الاقتصادي.
التحدي الأول والأكبر هو توفير الطاقة، أي البنزين للنقل، والمازوت للتدفئة، والفيول أويل والمازوت لانتاج
الكهرباء، وغاز البوتان للمطابخ والتدفئة، وكاز الطيران، الخ.
لبنان لا ينتج من مصادر الطاقة المطلوبة سوى جزء بسيط يراوح بين 5 و 7 في المئة من استهلاك الكهرباء، وهذه الكميات تنتج من مساقط عدد قليل من الأنهر وسد الليطاني.
استهلاك لبنان من مشتقات النفط على انواعها في حدود 5،8 ملايين طن سنوياً، ومعلوم ان كل طن يساوي 7،25 براميل من النفط، وتالياً يساوي استهلاك لبنان من المشتقات النفطية 42،5 مليون برميل.
يبلغ ثمن النفط الخام الموازي لاستهلاك لبنان من المشتقات، وذلك من دون احتساب تكاليف التكرير وخسائر عملية التكرير التي تراوح بين 15 و 18 في المئة، 4،25 مليارات دولار بحسب الأسعار الحالية. وهذه الكلفة، وخصوصا بعد زيادتها لتغطية تكاليف التكرير وخسائره والنقل من المصافي الى لبنان، وحيز أرباح شركات توزيع المشتقات، سترتفع الى ما يقرب من 5،5 الى 6 مليارات دولار سنويا.
حاليا، يخسر لبنان يوميا، وعلى حساب الكلفة الجارية لتوليد الكهرباء، 5 ملايين دولار، أي ما يوازي 1،8 مليار دولار سنويا يفترض توفيرها من وزارة المال لمصلحة كهرباء لبنان اذا كان لنا ان ننعم بالكهرباء بصورة منتظمة.
يضاف الى العجز في مجال الكهرباء عجز المازوت بما يساوي 250 مليون دولار، كذلك تضاف عجوزات لا تقل عن 500 مليون دولار للبنزين وغاز البوتان وكاز الطيران.
لبنان لا يمكنه ان يتحمل عجوزات على المستوى المشار اليه والتي قد تزيد على 2،5 ملياري دولار سنة 2008 في حال استقرار اسعار المشتقات على حالها واستمرار اسعار الخام على مستوى 100 دولار البرميل لا أكثر، وسيتحول ميزان المدفوعات اللبناني الى عجز كبير بدل الفائض المعتدل المحقق حتى تاريخه على مستوى 570 مليون دولار عام 2007.
لا يمكن معالجة مشكلة اسعار النفط ووقعها على الاقتصاد اللبناني الا عن سبيل توفير معونات للبنان بنحو 2،5 ملياري دولار سنوياً ولسنتين يمكن تحقيق نمو خلالهما اذا توافرت الشروط الأمنية والسياسية المشجعة. ومن بعد، يمكن تحقيق سياسات تساهم في خفض الاستهلاك وبالتأكيد في خفض تكاليف استهلاك المشتقات.
أول تحدٍّ رئيسي للرئيس الجديد هو اسعار النفط وطريقة تأمين كميات منه باسعار مخفوضة من البلدان النفطية التي تدرك ما يعانيه لبنان، وفي الوقت ذاته تقر للبنان بأنه ساهم في خفض قدرات الأصوليين المتعنتين، علماً بأن ليس هناك بلد عربي واجه تفجيرات الأصوليين واستطاع القضاء، كما فعل لبنان، على أكثر من 250 أصولياً مسلحاً واحتجز أكثر من 120 عنصراً منهم.
من المعلوم ان النفط العراقي مثلاً يتوافر للاردن وسوريا على مستوى 50 في المئة من اسعار التصدير عالمياً، ومن بعد تشترى بضائع من البلدين بنصف المبالغ المترصدة، وترتيب كهذا يمكن ان يساهم في مساعدة لبنان على مواجهة الوقع المخيف لارتفاع اسعار النفط الخام.
التحدي الثاني يتمثل في عديد قوى الامن الداخلي والجيش وتدريبها وتجهيزها. لقد أظهرت السنوات الاخيرة بوضوح ان قوى الشرعية لا بد لها من ان تتمتع بأفضل التجهيزات اذا كان لها ان تقوم بدورها بفاعلية. فلبنان، من دون امن واستقرار، لن يستطيع تحقيق الرخاء والنمو، بل لن يستطيع ايفاء ديونه وسيواجه ازمات اقتصادية اجتماعية جامحة قد تطيح بنظامه – شبه الديموقراطي وشبه الحر – فلا الديموقراطية محققة في لبنان ولا العمل الاقتصادي حر من تعقيدات الادارات الحكومية والممارسات الاحتكارية.
ان زيادة عديد قوى الامن والجيش وعتادها وتدريبها وتأهيلها امور تستوجب مخصصات غير عادية ولسنتين على الاقل على مستوى مليار دولار سنويا. وبالتأكيد، لن يحظى لبنان بالموارد المطلوبة لتغطية حاجات الطاقة والأمن ما لم يحرك مساعدات تفوق ما تأمن في مؤتمر باريس 3 وتجمّد أمام أبواب البرلمان المقفلة.
على أي رئيس ألا ييأس من الوضع الاقتصادي والمالي. واذا كان مبادراً، فلا بد من ان يحصل على معونة على صعيد تكاليف الطاقة، فان حقق الرئيس ورئيس وزرائه اختراقاً كهذا، وتحركت مساعدات مؤتمر باريس 3، واستقر الأمن الاهلي بحيث نعود الى استقطاب الاستثمارات، قد ينجو لبنان من السقوط في بؤرة العجز والتخلف، الامر الذي يبدو مرجحاً اذا لم ننعم برئيس رئيس.